جلال الدين السيوطي

72

الإتقان في علوم القرآن

وأنّ قولهم ليس بصادر عن إيقان ، وأنّ اليقين ما عليه من آمن بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك . وهذا الذي قاله الزمخشريّ في غاية الحسن ، وقد اعترض عليه بعضهم فقال : تقديم ( الآخرة ) أفاد أنّ إيقانهم مقصور على أنه إيقان بالآخرة لا بغيرها . وهذا الاعتراض من قائله مبنيّ على ما فهمه من أنّ تقديم المعمول يفيد الحصر ، وليس كذلك ، ثم قال المعترض : وتقديم ( هم ) أفاد أنّ هذا القصر مختصّ بهم ، فيكون إيقان غيرهم بالآخرة إيمانا بغيرها حيث قالوا : لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ [ البقرة : 80 ] وهذا منه - أيضا - استمرار على ما في ذهنه من الحصر ، أي : أنّ المسلمين لا يوقنون إلّا بالآخرة ، وأهل الكتاب يوقنون بها وبغيرها . وهذا فهم عجيب ألجأه إليه فهمه الحصر ، وهو ممنوع . وعلى تقدير تسليمه فالحصر على ثلاثة أقسام . أحدها : ب ( ما ) و ( إلّا ) : كقولك : ( ما قام إلّا زيد ) صريح في نفي القيام عن غير زيد ، ويقتضي إثبات القيام لزيد ، قيل : بالمنطوق ، وقيل بالمفهوم ، وهو الصحيح . لكنّه أقوى المفاهيم ؛ لأنّ ( إلّا ) موضوعة للاستثناء ، وهو الإخراج ، فدلالتها على الإخراج بالمنطوق لا بالمفهوم ، ولكنّ الإخراج من عدم القيام ليس هو عين القيام ، بل قد يستلزمه ، فلذلك رجّحنا أنه بالمفهوم ؛ والتبس على بعض الناس لذلك فقال : إنّه بالمنطوق . والثاني : الحصر ب ( إنّما ) . وهو قريب من الأوّل فيما نحن فيه ، وإن كان جانب الإثبات فيه أظهر ، فكأنه يفيد إثبات قيام زيد ، إذا قلت : إنّما قام زيد ، بالمنطوق ، ونفيه عن غيره بالمفهوم . الثالث : الحصر الذي قد يفيده التقديم ؛ وليس هو - على تقدير تسليمه - مثل الحصرين الأوّلين ، بل هو في قوّة جملتين : إحداهما ما صدّر به الحكم نفيا كان أو إثباتا وهو المنطوق ، والأخرى ما فهم من التقديم ، والحصر يقتضي نفي المنطوق فقط ، دون ما دلّ عليه من المفهوم ، لأنّ المفهوم لا مفهوم له . فإذا قلت : أنا لا أكرم إلّا إيّاك ، أفاد التّعريض بأن غيرك يكرم غيره ، ولا يلزم أنك لا تكرمه . وقد قال تعالى : الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً [ النور : 3 ] أفاد أنّ العفيف قد ينكح غير الزانية ، وهو ساكت عن نكاحه الزانية ، فقال سبحانه وتعالى بعده : وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ [ النور : 3 ] بيانا لما سكت عنه في الأولى . فلو قال : ( بالآخرة يوقنون ) أفاد بمنطوقه إيقانهم بها ، ومفهومه عند من يزعم أنهم لا يوقنون بغيرها . وليس ذلك مقصودا بالذّات ، والمقصود بالذات قوة